عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

24

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وكان الإمام أحمد شديد التورع في إطلاق لفظ الحرام والحلال أو دعوى النسخ ، ونحو ذلك مما يجسر عليه غيره كثيرًا ، وأكثر أجوبته : أرجو وأخشى ، أو أحب إلي ، ونحو ذلك . وكان هو ومالك وغيرهما يقولون كثيرًا : لا ندري . وكان أحمد يقول ذلك في مسألة يذكر للسلف فيها أقوالاً عديدة ، ويريد بقوله لا أدري أي الراجح المفتى به من ذلك . ومن مجالس الذكر أيضاً : مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير كتاب الله أو يروى فيها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فإن كانت رواية الحديث مع تفسير معانيه ، فذلك أكمل وأفضل من مجرد رواية ألفاظه ويدخل في الفقه في الدين كل علم مستنبط من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - سواء كان من علوم الإسلام التي هي الأعمال الظاهرة والأقوال ، أو من علوم الإيمان التي هي الاعتقادات الباطنة ، وأدلة ذلك وبراهينه المقررة في الكتاب والسنة ، أو من علوم الإحسان التي هي علوم المراقبة والمشاهدة بالقلب ، ويدخل في ذلك علم الخشية والمحبة والرجاء والإنابة ، والصبر والرضا ، وغير ذلك من المقامات . وكل ذلك قد سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث سؤال جبرئيل له عنه : دينًا . فالفقه فيه من الفقه في الدين ، ومجالسه من أفضل مجالس الذكر التي هي من رياض الجنة ، وهي أفضل من مجالس ذكر اسم الله بالتسبيح والتحميد والتكبير ؛ لأنها دائرة بين فرض عين أو فرض كفاية ، والذكر المجرد تطوع محض . وقد دخل بعض السلف مسجد البصرة فرأى فيه حلقتين في إحداهما قاص وفي الأخرى فقيه يعلم الفقه ، فصلى ركعتين واستخار الله في الجلوس إلى إحداهما ، فنعس فرأى في نومه قائلاً يقول له : أو قد سويت بينهما ؟ ! إن شئت أريناك مقعد جبرئيل - عليه السلام - من فلان - يعني : الفقيه الذي يعلم العلم .